السرخسي

153

المبسوط

شئ فإنهم يشهدون بما يعلمون لا بما لا يعلمون وكما أنهم لا يعلمون ذلك فالقاضي لا يعلم ونحن نسلم ان المشهود به لا يثبت بهذا اللفظ ولكن استحقاق الميراث له بالسبب الذي أثبته الشهود مفسرا الا انهم إذا لم يذكروا هذه الزيادة كان على القاضي أن يتلوم فربما يظهر وارث آخر مزاحم له أو مقدم عليه فهم بهذا اللفظ كفوا القاضي مؤنة التلوم ونظرا في ذلك لأنفسهم فتحرزوا عن الكذب والمجازفة لأنهم لو قالوا لا وراث له غيره كانوا مجازفين في ذلك فتحرزوا بقولهم لا نعلم له وارثا غيره وفي الحقيقة مرادهم هو الأول فما يكون من سباب التحرز عن الكذب لا يكون قدحا في شهادتهم ولو شهدوا انهم لا يعلمون له وارثا بأرض كذا وكذا غير فلان جاز ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله ولم يجز ذلك في قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله حتى يقولوا مبهمة لا نعلم له وارثا غيره لان في تخصيصهم مكانا ايهاما انهم يعلمون له وارثا في غير ذلك المكان أرأيت لو قالوا لا نعلم له وارثا سواه في هذا المجلس أكان يقتضي بالميراث لهم وأبو حنيفة يقول هذا اللفظ مبهم للمبالغة في بيان انه لا وارث له غيره ومعناه ان بلده كذا ومولده كذا ومسقط رأسه كذا ولا نعلم له بها وارث غيره فأحرى أن لا يكون له وارثا آخر في مكان آخر ثم تخصيصهم هذا المكان بالذكر في هذا اللفظ لغو لان مالا يعلم المرء لا يختص بمكان دون مكان فهو وما لو أطلقوا سواء وقولهما ان هذا ايهام فلان كان كذلك فهو مفهوم والمفهوم لا يقابل المنطوق والأصل في ذلك ما روي أن ثابت بن الدحداح لما مات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قبيلته هل تعرفون له فيكم نسبا قالوا لا الا ان ابن أخت له فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه لابن أخته ابن لبانة بن عبد المنذر رضي الله عنه فقد ذكروا انهم لا يعرفون له فيهم وارثا ونسبا ولم نكلفهم أكثر من ذلك ولو ادعى رجلان ولاء رجل واحد فأقام كل واحد منهما بينة انه أعتقه وهو يملكه ولا يعلمون له وارثا غيره جعلت الولاء بينهما والميراث لأنهما استويا في سبب الاستحقاق والولاء إما أن يعتبر بالنسب ولو أقاما البينة على نسبه كان الميراث بينهما لاستهوائهما في النسب أو يجعل الولاء كالملك لأنه أثر من آثار الملك وإذا استويا في إقامة البينة على الملك يقضى بالملك بينهما نصفان فان أقام أحدهما بينة قبل صاحبه وقضيت له ثم أقام الاخر بعد ذلك بينة لم نقبل منه ولم يشارك الأول لان الولاء كالنسب من حيث إنه لا يحتمل النقض والفسخ ولا يحتمل النقل من شخص إلى شخص ثم في النسب إذا ترجحت البينة الأولى بالقضاء لم تقبل بعد ذلك فكذلك